ليلة الغدر

 زهرة أحمد

 

 سمعت المعلمة سوزان بكاءً مخنوقاً في إحدى الزوايا القصية من باحة المدرسة، توقفت عن شرح الدرس، أصاخت السّمع، راودها شعور غريب، وخاصة عندما أحست بغياب سوياز عن الحصة الثالثة؟!

كانت جالسة القرفصاء تحت شجرة ظليلة نال الزمن من نضارتها، تئن، وتبكي بحرقة، وقد غطت وجهها بكلتا يديها المبللتين بالدموع. أسرعت المعلّمة إليها حضنتها ومسحت الدموع عن نظراتها التائهة، اصطحبتها إلى إحدى غرف المدرسة هدّأتها، جلست معها، داعبت شعرها،  شعرت الصّغيرة بدفء حنانها، وبدأت تسرد قصتها الأليمة بعد أن أيقظت الدموع ذكرياتاً خالدةً في قلبها المليء بالحب والأشواق، والمعلمة تسمعها بكل أحاسيسها، تشاركها دموعا وألماً، بالرغم من أنها كانت تقرأ ملامح المأساة في عيني سوياز كل صباح، أثناء دوامها في المدرسة، ولكنها تركتها تسرد حزنها بأبجديتها البريئة.

-اشتقتُ كثيرا لأبي!!

قالتها سوياز والدموع تنهمر بغزارة لتفصح عن أشواقها في لوحة تنزف ألما.

-أحبّ أبي كثيراً، علّمني كيف أرسم فرسمت وجهه المشرق، علّمني الكتابة فكتبت اسمه على جميع أوراقي، وفي قلبي الذي ينبض بحبه. -حديقة بيتنا تحضن أشواقي ولحظات انتظاري لعودة أبي من عمله كل يوم، فكان ذلك تاريخي المشرق.

-في تلك الليلة لا أعلم كيف غفوت على صدر أبي، وأنفاسه الهادئة تمدّني براحة ممتعة، لم أشعر إلا بصرخة أمي التي لا يزال صداها يتردد في أذني، يؤلم قلبي، وروحي، وصورة أبي الغارق في دمائه لن تفارق مخيلتي، تعيش معي بكل تفاصيلها المؤلمة.

هاجمها نشيجٌ بكائيّ حادّ، البكاءُ بصوت عالٍ منعَها من إكمال الحديث، صداه هزَّ المدرسة وتخطّت حدودها، والمعلمة تشاركها في البكاء، أحسّت بأن الإنسانية ذُبِحَت في صورتها في أوضح تجلياتها، جلادوها مجردون من كل القيم التي ينادون بها ويموهون بها نجاسة جرائمهم، يتَّموا الإنسانية وجرحوا قيمها السامي.

 ثم تابعت حديثها بعد أن هدأتها المعلمة لتعود إلى البكاء كلما تذكّرت والدها:

- قبلت أبي، لكنه لم يقبَّلني، حركتُه فلم يستجب لي، صرخت حتى انقطع صوتي، حتى صراخي لم يوقظه، حضنته كالعادة، ولم أنتبهْ إلا على صراخ أمي وهي تحاول استيقاظي من إغمائي، والناس مجتمعون في بيتنا، شهوداً على مأساتنا..

- كيف لهم أن يذبحوا إنساناً بدون ذنب، ومنْ أعطاهم الحقّ بهذا العمل الفظيع، أليس لهم أطفال؟ ألا يشعرون بالذنب؟

-كيف سمحت لهم ضمائرهم بتيتم المئات مثلي من أطفال كوباني الأبرياء، في ليلة الغدر تلك التي لن ننساها أبداً حتى إذا نسيها العالم والتاريخ.

 شعرتُ بأنّ الأسئلة لقاضٍ جليل وليست لطفلة تغرقُ في بكائها.

- خوف أمي علينا أنا وأخي دفعها إلى ترك كوباني، وجعلها من الماضي الأليم، جرفنا الإنزياحُ مع الكثير من العوائل الثكالى، أخذنا أمتعة من الألم والضياع لتلازم حياتنا، واستقرّ بنا المقام هنا في قرية التلين "دوكركا "*. رفضتُ أن أترك مرابع طفولتي، والأمكنة التي عطّرها أبي، وتحتفظ برائحة أشيائه، كانت فكرةُ ترك هذه المدينة موجعة، حتى وعدتْني أمي بالعودة إليها حين تستقر الأوضاع، وتبقى أملاً أنتظره كلّ يوم.

لاذت بالصّمت ثمّ سألت: -أو يمكنْ أنْ نعود إليها يوماً؟

قالتها والألم يعصف بقلبها الصغير الذي تحمل مالا يتحمله الكبار..

- تركنا كوباني مرغمين وتركت روحي فيها، لم أستطع أن أودع أبي، خوف أمي منعني من زيارة قبره، تركت كل أشيائي وأحلامي تحت أنقاض بيتنا الذي تهدم هو أيضا بعد شهر من تشردنا، وبقيت ذكرياتنا تئن تحت أكوام الخراب، لم أجلب معي من كوباني الجريحة سوى ساعة أبي، أحضنها في كل الأزمنة حتى التي غدرت بنا، حفظت في تاريخها ميلاد أفراحنا وأحزاننا.

 ثم أخرجت ساعة والدها من جيبها قبلتها وحضنتها بين يديها الصغيرتين، تنظر إليها كل دقيقة، تراقبُ عقارب الزمن التائه، غائب لن يعود.

- تركتُ هناك ألعابي، وهدايا أبي الكثيرة، تركتُ دفتراً دونتُ فيه أسماء أصدقائي، بقيتُ سنة كاملة لم أذهب الى المدرسة أعيش مع ذكريات أبي، لكن إصرار أمي ورغبة بتحقيق حلم أبي بأن أصبح طبيبة دفعني أن أحتفظ بآلامي وذكرياتي في صفحات قلبي، وأن التحق بالمدرسة، وحتى اليوم وبعد مرور شهرين مازلتُ أتشرّد ذهنياً، لم أستطيع ان أكون في عالم بدون أبي.

-أشتاق إلى أبي، صورته تسيل في روحي وتهديني بنور ابتسامته، أحنّ لحضنه، للمساته الحنونة على شعري التي كانت تزيل عنه همومه كما كان يقول دائما، حرَّمني أعداء الإنسانية «داعش» من أبي، منذ أكثر من سنة لم أقل: بابا!، فرض علي الظالمون أن أعيش بؤساً ما حييت، حتى لم أعد أزور قبر أبي، لأستنشق رائحته في صباحاتي المهشمة.

 وعاد البكاء من جديد ليختم حكايتها في فصول غير منتهية من المأساة.

 تعجبت المعلمة سوزان من طفلة لم تتجاوز العاشرة من عمرها، كيف لها أن تتقن لغة الحزن بهذا الشكل الأليم، وتحضن في قلبها البريء تاريخاً من الألم، وكيف للحزن أن يتجرّأ ويرسم تجاعيده على جبين لم يقوَ بعد على التحدي، ويختار قلباً كقلب سوياز ليخلد وجوده.

 وعدت المعلمة سوياز بمساعدتها لتعويض ما فاتها من دروس وتقديم كل عون لها لإكمال دراستها، مما أدخل بارقة أمل في قلبها المُحطَّم باليأس، فقد أيقنت بأنَّها تخطُّ أولى خطواتها لتحقيق حلم والدها، أعادت الساعة الى جيبها، مسحتْ دموعها ومضت إلى صفها كفراشة ملائكية أكثر عزماً.

 أما سوزان فقد فازت بجائزة القصة عن قصة « ليلة الغدر » التي أهدتها إلى سوياز في مسابقة القصة القصيرة عن المأساة الإنسانية. 2017/6/25

 * دوكركا: إحدى قرى الجزيرة الكوردية التابعة لمدينة ديرك " المالكية "