زبير يوسف… في منحَتِ الحَديد والتحدّي

قراءة فلسفية جمالية من قبل الأديب - دلور ميقري Dilor Mikari

المحور: الادب والفن
1
لكأنما زبير يوسف ، الفنان ، هوَ الريحُ التي تصْدي صوتَ بيئته ، الأولى . أعماله الطينية ، بشكل خاص ، تعيدنا إلى تلك البيئة جذوراً وتاريخاً وحضارة . فإقليمه المنتمي جغرافياً وإثنياً ، لعالم ما بين النهريْن ، ما فتأ أعماق صدره ، الكبير المترامي ، ينفثُ بإستمرار اللقى الأثرية ؛ من فخاريات وخزفيات ومنحوتات . يخيّل إليك أحياناً ، أنّ هذا العمل من الطين المشوي أو ذاكَ ، الحامل توقيع زبير يوسف ، ليسَ إلا لقية مستلة من كنز حوريّ أو آشوريّ أو آراميّ ؛ كما نرى ذلك في منحوتاته : " حاملة القش " / مادّة جص ملوّن ، وابعادها 30 × 32 × 40 سم ؛ و" أطفال عامودا اليوم " / من المادة نفسها ، وأبعادها 57 × 45 × 71 سم ؛ و" الريح " / مادّة الطين المشوي ، وأبعادها 10 × 40 × 45 سم . ففي كلّ من هاته المنحوتات ، تتجسّد البدائية ،

كوردستان

المقصودة ، في التعامل مع المواضيع ، من خلال إضفاء التجريد عليها . ولا أعني هنا مسألة التأثر بفنون بلاد الرافديْن ، القديمة ، بقدَر ما أذهبُ إلى مسألة اخرى ، وهيَ المُحيلة دوماً إلى إنتماء الفنان لبيئته ؛ الإنتماء الأشبه بقدَر أسطوريّ . على أنّ الإحالة هنا ، إلى التاريخيّ خصوصاً ، ليستْ بمعزل أيضاً عن الإرث الدينيّ ، بكل نصوصه المحرّمة ، الأصلية والمزيفة . هذا الإرثُ المتناهض أبداً ، في عقيدتنا ، كحائل صَلدٍ بين إنسانها والخلق الفنيّ . بعبارة اخرى ، فإنّ النحتَ من بين كافة أشكال الفنون التشكيلية ، يوحي إعتباطاً بشبهة عبادة الأصنام ، المنبوذة إسلامياً . في خلاء مُجدبٍ ، على صعيد التقاليد النحتية ، ما كان لتغرب فناننا ، المثّال ، إلا أن يتفاقمَ ؛ وما كان لمشروعه إلا أن يغدوَ تحدّياً للسائدِ ، قبل كل شيء . في المقابل ، يجوز الإستطراد بالقول ، أنه ربما كان من سعدِ فأل زبير يوسف ، على الأقل ، كونَ بوارق جيله قد سطعتْ في حقبةٍ زمنيّةٍ ، معاصرة ، مُنارةٍ أصلاً بمفاهيم المدنية والحداثة والتطور والتقدم .

كوردستان


كلّ نحّاتٍ رسامٌ ، بالأساس ، كما يقولُ منظرو الفنّ ؛ مقولة ٌ ، تضعنا في أجواء الأعمال الأولى ، لفناننا . رسومه في تلك المرحلة ، المبكرة ، لا يمكن فصلها إسلوباً وتكويناً وفكرة ، عن واقعه المعاش آنئذٍ ؛ بكل ما فيه من فاقةٍ وخصاصةٍ وحرمان : خطوط ٌ ، فيها ما فيها من توتر ونزق وإنفعال ؛ وألوانٌ ، مقتصَدَة وشحيحة . هذا بالرغم من تفرّد رسومه ، المعنية ، بتلاوين طبيعة الإقليم ، الهادئة . وإذاً ، فالطبيعة الكردية ، تؤثرُ الألوان الإنطباعية ، الحارّة والرخيّة في آن . طبيعة ٌ ، أبصرتْ عيونُ فناننا مناظرَها ، لتسجلها من ثمّ ذاكرته النابهة . لاحقاً ، وعلى الرغم من إغتناء تجربة زبير يوسف ، الرسام ، بالممارسة العملية والمثاقفة البصرية والنظرية ؛ فلم يغب شماله الكرديّ بيئة ً وطبيعة ً وإنساناً وتاريخاً ، عن موضوع لوحته . لدينا إحدى هذه اللوحات ؛ وعنوانها " جبلُ " كوكب " ، من فوق سطح البيت " / أكريليك على الورق 37 × 48 سم : هنا ، يستعيدُ الفنانُ عبرَ ذاكرته حسب ، تفاصيل المكان الأثير ، المفقود ؛ من طغيان لونيّ لأصفرَ السنابل والبيادر ، المائل للإخضرار هنا وهناك ، إلى بنيّ التربة والسهوب المترامية ، وحتى ليلكيّ الجبل ، الضئيل ، 

كوردستان

المترائي على المشهد . فهذا العمل الصغير، المنجز في عام 1996 ، لا يمكن إلا أن يكشفَ خصبَ مخيلة رسامنا ؛ المخيلة المتحررة من قيود الغربة ، الثقيلة ، والمستعيدة أدق الملامح لمشهد القرية ، الأولى ، المسترخية كتل ألوانها القوس قزحية بيوتاً وحقولاً وأبعاداً في الظلال الداكنة لذلك الجبل ، المتسيّد على المنظر جميعاً . بيدَ أنّ المنظر هذا ، الطبيعيّ ، شاءَ له خالقه أن يُخترق بحضور خرافيّ ؛ حينما تكوّن الغيوم ما يشبه رأسَ فرس ٍ ، مبهم الملامح ، فيما أشباه اخرى تتشكل من السحب المترامية هنا وهناك ، فوق المشهد . وفي هذا المقام ، يتعيّن علينا الإشارة إلى فهم الفنّ التصويريّ ، الخاص بالمنظر الطبيعي ، كما يعرضه شاعرٌ فنانٌ ، بحجم " بودلير " ؛ الذي يعتبر في إحدى مقالاته النقدية ، أنّ المنظر التخيلي : " هوَ أكثر المناظر الطبيعية تعبيراً عن الأنا الإنسانية ، التي تحل محلّ الطبيعة " . ويستطردُ شاعرنا ، فيما يتعلق بأهمية المخيلة للفنان وأنها : " تعادلُ الإحساسَ ، ومن يملك موهبة المخيلة يستطيع إدراك جوهر روح اللون ، الإطار ، الصوت ، الرائحة . المخيلة توزع العناصر الأساسية في العالم ، وتعود لتجميعها وتنسقها وفق قانون جوهر الروح ، فتخلق عالماً جديداً وتستدعي أحاسيس جديدة " . (1)

كوردستان


في أحد أيام الخريف ، المعتدلة ، من أواسط ثمانينات القرن المنصرم ، تضحي دمشقُ وجهة َ قِبلة فناننا . يفترقُ زبير يوسف بجسده عن ريفه الأليف ، فيما يبقى متواشجاً معه بمخيلته ؛ أو بـ " جوهر روحه " ، على حدّ توصيف " بودلير " ، آنف الذكر . بالنسبة لطالبٍ ، متغرّب ، على جانبٍ من الفقر ، لم تكُ العاصمة دارَ مسرّة ، على الإطلاق . إلا أنّ تلك المدينة الكبيرة ، على أيّ حال ، منحته فرصة الكشف ؛ وخصوصاً تدريب عينيه على إستجلاء مكامن الجمال ، الطبيعيّ والمعماريّ ، فضلاً عن معاينة الحسن الإنسانيّ ، الأنثويّ . أينما يتولى ببصره ، سيكون منذئذٍ على موعدٍ مع كشفٍ جديد . زيارة الصالات الفنية ، تقوده إلى معرفةٍ ، عن قرب ، لذخائر الفنّ العالميّ عموماً ، والسوريّ ، العريق ، خصوصاً ؛ رواداً ومعلمين مخضرمين . ما كان لداخله إلا الزهوَ ، وهوَ يرى جدرانَ تلك الصالات ، وغيرها من الأماكن الخاصة والرسمية ، وقد أفردتْ مساحاتٍ هامة منها للوحات فنانين ، كرد ، من الأقاليم الشمالية ؛ كبشار العيسى وعنايت عطار وعمر حسيب وخليل عبد القادر وعمر حمدي .. وغيرهم . تأثرُ فناننا ببعض أولئك الفنانين ، نحدسُهُ في لوحاتٍ له ؛ مثل هذه المنعوتة بـ " الثلج والإنسان " : أكريليك على كرتون ، 45 × 70 سم . إنها هارمونيا ، لونية ، لزوجيْن بلباس فولكلوريّ كرديّ ؛ تكوينها على جانب ملحوظ من العفوية ، حتى ليتكهن المرءُ بسهولة أنها موتيفٌ ( موضوع ) ، معدّ دونما تخطيط مسبق أو موديل . يتبدى تأثر فناننا هنا بإسلوب بشار العيسى ؛ لجهة ضربات الريشة ، الرشيقة ، المنثالة عبرها الألوان على اللوحة ، كطيور زاهية ، متزاحمة ، حاطة من سمائها على أرض صديقة . تأثيرٌ " بشاريّ " ، نلحظهُ أيضاً في مساحة الفراغ ، الناصعة ، المسكونة في الخلفية بتناثر أليفٍ لتكوينات ريفية ؛ من منازل وأشجار ، مبهمة التفاصيل .

كوردستان

هذا التأثير ، عاضده فيما بعد إنفتاحُ فناننا زبير يوسف على تجارب المدرسة الألمانية ؛ ومنها تجربة الفنان النمساوي " إيغون شيليه " ( 1890 ـ 1918 ) ، على سبيل التمثيل : فهذا الفنان ، الفذ ، ذو الموضوعات الإيروتيكية ، الجريئة ، أرخى سدوله على الفنّ العالميّ برمته . ونتمثل تأثر زبير يوسف بموضوعاته وأسلوبه ، في عمل له ، بلا عنوان / زيت على القماش ، بقياس 55 × 75 سم . تكوين هذه اللوحة ومساحات الفراغ فيها ، فضلاً عن ألوانها البنية المحروقة ، يذكرنا بلوحة " شيليه " ، المعروفة ، " العائلة " / زيت على القماش 152 × 162 سم ؛ والتي تحمل تاريخ العام الذي شهدَ وفاته (2) . أجواء الفنان النمساوي هذا ، ربما تتداخل كذلك في أجواء لوحة اخرى لزبير يوسف ، ( بلا عنوان ) ؛ زيت على الكرتون ، بقياس 55 × 75 سم . لوحة ، غرائبية التكوين ، بشطحات الريشة النزقة وبالوانها العاصفة . يبقى القول ، أنّ التجارب النحتية ، لفنانين منتمين لتلك الأقاليم الكردية ، كانت معدومة حتى ذلك الوقت : كانت بإنتظار جيل زبير يوسف ، بالذات .

كوردستان


في عام 1990 ، يتخرجُ فناننا هذا ، بإمتياز ، من كلية الفنون الجميلة / قسم النحت . وفي الفترة نفسها ، تقريباً ، تخرّج الكلية الدمشقية ، أيضاً ، نحاتاً كردياً آخر ، موهوباً ، هوَ " سيدو رشو " ؛ الذي رحل عن العالم ، مبكراً ، قبل حوالي العام . غادرَ عالمنا إثرَ مرض عضال ، مخلفاً منحوتاته وتماثيله ، المركونة ـ كإسمه ، سواءً بسواء ـ في ظلمة ورطوبة الأقبية الأوروبية . مات غريباً ، دونما أن يحظى حتى بإقامةٍ شرعيةٍ ، بائسة ، في القارّة العجوز . قدَرٌ ظالم ، وإن كان أقلّ وطأة ، سيكون زبير يوسف ، بدوره ، على موعدٍ معه في غربته هذه ، الألمانية . فلا أفدحَ جناية ، من وضع المبدع / فناناً كان أم أديباً ، في مكان غريب عن خلقه وهاجسه . سعياً لسدّ الرمق ودفعاً للحاجة ، سيكون على فناننا ، إذاً ، توزيع وقته ، الثمين ، على مهن ٍغيرَ متوافقة وموهبته الأصيلة ، كنحاتٍ . هذا ما تسنى لي معرفته ، لدى قيامي بزيارة زبير يوسف ، في هذا الصيف المنقضي للتوّ . خلال الطريق راجلينَ من محطة القطار ، في مدينة " سيبورغ " ، إلى منزله ، القريب ، تجاذبنا جوانبَ الحديث فعلمتُ من صديقنا الفنان ، أنه لا يملك محترفاً خاصاً . وما صدمني بعدئذٍ ، فعلاً ، كونَ شقته الوديعة ، الهادئة ، خالية ً أيضاً من مرسم له أو مشغل . بيدَ أنّ زبيراً لم يبع عَبْرَته ، لكائن من كان . بكلمة اخرى ، قبلَ صامتاً ورابط الجأش ، قدَر غربته ؛ وقبلَ ، في الآن نفسه ، التحدّي وكما في كلّ مرة يواتيه فيها التحدّي : ينفضُ عن يديه غبار اليأس ، ولا يجدُ غضاضة في العمل بورشةٍ لتصليح السيارات ، المستعملة . كان صاحب الورشة ، وهوَ كرديّ إيزيديّ ، قد تكرّم على فناننا بزاوية فسيحةٍ من المكان المنذور لمختلف أنواع العدّة وإستعمالاتها . إصطحبَنا زبيرُ ، في اليوم التالي لحلولنا في ضيافته ، إلى ذلك المكان . لوهلة أولى أدهشني ثمة ، إحتماله المكوث لساعاتٍ مديدة ، في جوّ مهنيّ ، عمليّ ، لا صلة له البتة بالفنّ وأهله . بيدَ أنني كنتُ على خطل مبين ، والحق يقال .

كوردستان

فهذا الفنان ، إستطاعَ خلق مكانه ذاك من جديد ، وعلى هوى أهوائه وجموحه وعواصفه . إنّ كل من موهبته ومخيلته ، الأصيلة سواءً بسواء ، قد طوّعتِ الحديدَ وحولته من معدن قاس ، فظ ، إلى أشكال فنية بديعة ؛ أنسية وحيوانية وخرافية . من خردة حديدية ، عشوائية ، خلقَ فناننا منحوتاتٍ غرائبية ، بالكاد يتمكن المرءُ من إستكناه ملامحها ومعانيها . كما في عمل ( بلا عنوان ) ، بأبعاد 40 × 80 × 80 سم ؛ يمثل ما يُشبه الفارس المقاتل ، وبيده أداة ما يلكزُ بها دابته المكدودة ، ذات العين الغاية في إتساع ألمها ، الممضّ . أو في ذلك العمل الآخر ( بلا عنوان ) ، وأبعاده 40 × 30 × 90 سم ؛ الموحي بشكل حشرة تدبّ على الأرض بقوائمها الأربعة ، المتباعدة : لكأنما هيَ " الجندبُ الحديديّ " ، الذي تقمصتْ إسمَه عنوانُ السيرة الذاتية لكاتبنا الكرديّ السوريّ ، سليم بركات (!) . على أنّ تعامل زبير يوسف مع مادة الحديد ، ما كان دوماً بهذه العفوية ، الموصوفة . وكمثال هنا ، فها هيَ منحوتة ، حديدية المادّة ، ذات الأبعاد 20 × 15 × 30 سم ؛ تتمثل رجلاً يقف على قدم واحدة ، وبحركة بهلوانية يرفع إمرأة بيديْه . الظلال المذيّلة خلف المنحوتة ، توهمكَ بشكل شجرة متسامقة ، عظيمة الجذع والهامة . إن هذه المنحوتة ، التي عنوانها " الفتاة والقوس " ، تحيلنا إلى أسلوب فناننا ومواضيعه التي سنعرض لها فيما يلي من حديثنا ، بخصوص تعامله مع المواد الأخرى ؛ من حجرية ومرمرية وبرونزية وخزفية .
 

كوردستان


كان علينا ، قبل كل شيء ، التعرّف على زبير يوسف ، الإنسان . في مدخل شقته ، كان بإنتظارنا كلّ من زوجه الكريمة وصغيريْهما ، الجميليْن والصخابيْن ، ككلّ الأطفال . بضعة ٌ من لوحات فناننا ومنحوتاته ثمة ، مؤتلفة في أماكنها على جدران الحجرات أو في زوايا قطع الموبيليا ، القليلة . لوحاته الجديدة ، تبوحُ قبل كل شيء ، بحالة مبدعها ، النفسية : ألوانٌ ملتهبة ، كأنما هي جذواتٌ جمرية أو جحيمية ؛ تكويناتٌ سوريالية ، لكهوف كونية ومتاهاتها وبروجها ونيازكها ؛ مواضيعٌ / أو لامواضيع ، بصحيح العبارة ـ تنتمي لعالم المجردات لا عالم الواقع والأحاسيس . أما القطع النحتية ، وهيَ إثنان أو ثلاثة لا أكثر ، فلم تشفِ ظمأ فضولي في أن أنهَلَ ، عن قرب ، من سلسبيل موهبة زبير يوسف ، المثّال : كانت تلك ، كما أعلمني الرجلُ ، دراسات تحضيرية لأعمال نحتية ، سبق إنجازها وما فتئتْ حبيسة أركانها العتمة في الوطن . العريُ الأنثويّ ، موضوعُهُ المفضّل ، الأثير ؛ فكأنما هوَ حريته وشعبه ، المفقودة والمنشودة . أنامله القاسية والحنونُ في آن ، لا تجدُ إلفتها إلا بصحبة الطين . عندئذٍ ، تمسي العجينة الطينية ، في يدِ الفنان ، تكويرة نهدٍ أو إستدارة ردفٍ ، وكأنما هيَ منتمية للمحسوسات لا للمجاز . إيثارُهُ الطين وشبقهُ ، الموصوفان ، يحيلان المرءُ إلى إستعادة معلم النحت ، الأكبر ، " رودان " ؛ هذا القائلُ مرة ً ، في شرحه مفهوم الخلق الفنيّ : " ما من نحّات جيّد يستطيع تكوين شكل إنسانيّ دون أن يستند إلى سرّ الحياة . إن الشكل البشري فرديّ فيما سرّ الحياة ، في منوعاتها المتحولة ، يستثيران النموذج الحلولي . فتلقى النحات منقاداً بإستمرار من المخلوق إلى الخالق " (3) . ويمضي المعلّمُ في شرحه ذاك ، موضحاً : " ولهذا السبب فإنّ العديد من شخصياتي لها يد أو قدَم ، لا تزال حبيسة كتلة الرخام . إنّ الحياة كليّة الحضور ، لكن نادراً ما تبلغ تعبيرها الكامل أو يبلغ الفرد الحرية المطلقة " . هذه الملاحظة الأخيرة ، تضعنا أمام الكثير من منحوتات زبير يوسف ، المكوّنة من أجسادٍ عارية ما تفتأ مغلولة بقواعدها : كما في منحوتة من مادة الحجر الصناعي ؛ بلا عنوان / أبعادها 15 × 20 × 40 سم . وفيها منظرٌ إيروتيكيّ ، لجسديْن مترادفيْن ، عارييْن ، في قمة لحظة الشبق ، حتى أنّ قدَمَ الأنثى متبدية وهيَ تضغط على ركبة الرجل . فراشُ العاشقيْن هوَ القاعدة الملتصق بها جسديهما ، إلا أنه يُبتر عند مبتده حوضيْهما ؛ وكأنما كلّ من ذينك الجسديْن ، وقد أضحى فراشاً لصاحبه . منحوتة اخرى ، تكررُ المغزى نفسه ، الموصوف آنفاً : وهيَ من المادة الحجرية نفسها / بلا عنوان ، أيضاً ، وأبعادها نفسها . في هذه المنحوتة ، الفائقة الإتقان ، تتجلى غلمَة فناننا ، بأوضح عبارة . إمرأة بوضعية متطرفة في تكويرتها الإيروتيكية ، حتى أن ركبتيْها إلتصقتا بشدّة بنهديْها . القدَمُ في حركتها الجنسية تلك ، تتناهى نحوَ كتلة شجريّة ، في خلف المشهد ، حتى تمسي كأنما جذعٌ لها . القاعدة ، هيَ مجالُ لا فكاك منه لذلك الردف ، العظيم ، فيما الشجرة ، بدورها ، أسيرتها : إنها شجرة الحياة ، ربما ، التي تقول الأديانُ والأساطيرُ أنها أغرت أمّنا ، الأولى ، ومهّدت لإغوائنا البشريّ ، الأبديّ .

الهوامش

1 ـ زينات بيطار ، بودلير ناقداً فنياً ـ طبعة بيروت 1993 ، ص 79
Egon Schiele , Konstnarens midnattssjal – Stockholm 19922 ـ
ـ جون برجر ، وجهات في النظر ـ الطبعة العربية في بيروت 1990 ، ص 158 3
* للإطلاع على أعمال الفنان زبير يوسف ، يمكن العودة إليه :